دعوا لكل موهبة جيدة مكاناً
ولا "تغرقونا" بها كالبضاعة الفاسدة!



لم يعد ممكناً السكوت طويلاً...
وما كان جديداً "له رهجة" في سنوات سابقة، تحوّل الى تجنيد إجباري للمشاهدين من خلال الاعادة والاعادة والاعادة ثالثاً لأفكار برامج تلفزيونية، ما ان يذهب وجهها حتى يطل وجهها مجدداً، وما ان نستبشر بنهايتها حتى تأتي تكراراً. اوحشُ تلك البرامج على الاطلاق برامج هواة الغناء إن كانوا صغاراً ام كباراً ام بين – بين، فقد طفح الكيل منهم ولم يعد بالامكان التحمل والتغاضي...
طبعاً... هناك مواهب جديدة جيدة واحياناً متميزة..
وطبعاً... هناك اصوات تملأ الأذن واشكال تملأ العين، وقدرات في الحضور والكاريزما تملأ الذوق...
لكن حتى الجماليات حين تتراكم... تنقلب ضدّها...
وحتى العسل حين نبالغ في لَعقِه، يصيب بالغثيان...


فالى اين تذهبون يا اخوان يا مديري الشاشات التلفزيونية واصحاب البرامج التلفزيونية بكل تلك المواهب التي يصفق لها الجمهور، وتصفقون انتم، ثم فجأة يطير الجميع... كل الى منزله... والى حياته... والى حفر حضوره بأصابعه هو من دون اي مساعدة او هداية من احد... إلا لماماً... وحتى هذه الـ "لماما" لا تحصل الا بشق النفس...
ألم تتعبوا في المحطات التلفزيونية من استعراض المواهب؟
مرة، مرتين، وثلاثاً واكثر من عشر مرات تستعيدون البرامج وتجددون هواتها، وتتركونهم وتتركون الجمهور امام اهوائه...
ألم يعد من الافضل ان تغيبوا قليلاً... ان ترتاحوا قليلاً... وان تريحونا قليلاً من المواهب... فلقد باتت في حياتنا تخمة من المواهب من المغنين من الاصوات، من الأغاني المعروفة ومن التعليقات التقليدية التي يطلقها اعضاء لجان التحكيم من دون اي عمل على ابتكار جملة جديدة...
"غنيت باحساس عالٍ، صوتك متمكن، وثقتك بنفسك كبيرة، واختيارك هذه الاغنية (او تلك) بالذات ممتاز. برافو"... من دون ان ننسى ان البرافو هذه تلفظ بالاجنبي لا بالعربي... اي بمّد الواو الاخيرة الى ما لا نهاية!
لا لجنة التحكيم (أو اللجان) تأتي بفكرة جيدة، ولا موهبة تأتي بما فوق العادة، ولا برنامج من هذه البرامج يعمل على تجديد نفسه وروحه وطريقة عرضه واخراجه...
أعرف ان التجديد في اسلوب العرض والاخراج قد استُنفد تماماً من كثرة اللوحات الى الديكورات والاضواء والاستعراضات... الى آخره... وان الامور تجرى حالياً بشكل روتيني لا مجال لاختراقه... ومن اجل ذلك نقول انه كفى. كفى. فعلاً كفى برامج غناء تكاد تخنقنا وتقلبنا رأساً على عقب وتغيّر قناعاتنا بان المواهب الجديدة هي حياة...
فقد كثرت المواهب حتى أصبحت تشبه حقلاً فيه من الورد ما لا تستطيع معه ان تعرف هذه الوردة من تلك الوردة، وهذه النبتة من تلك، وهذه الرائحة من تلك الرائحة... وحتى الورد تحتاج احياناً تنظيماً، والا لماذا يتخصص اشخاص في تنسيق الورود، او لماذا عندما نأخذ "باقة" في عيد الحب، ينسقونها لك لوناً لوناً... وورقة ورقة اذا استطاعوا... ببساطة لان هناك امراً حضارياً بات مطلوباً في حياتنا هو التنسيق...
تنسيق برامج هواة الغناء فلا تكثر وتأكل وجوهنا امام الشاشات...
وتنسيق المواهب بحيث لا "تطبّ" علينا دفعة واحدة فتكون حاجتنا لموهبتين او اربع مثلاً، فنكون امام ثلاثين... وتفضّل شوف شو بدك تعمل... وتَصَرّف...
ان بقاء المواهب احياناً مغمورة هو افضل بكثير من ان نطلقها ثم نحيّرها في ماذا تفعل! فالمواهب المغمورة بحاجة الى منصة انطلاق نعم... لكن بحاجة قبلها الى مؤسسة ترعى وتهتم والا فالمواهب ستذهب الى حيث لا مكان... وتالياً الى النسيان...
ضناً بتلك المواهب نطالب بابقائها مغمورة الى حين تأمر الظروف المناسبة لاطلاقها، لا تأمر شركات الانتاج التي لا... قوانين تحكمها سوى قوانين الربح والخسارة لا اكثر...
فالمواهب يا اخوان... بشر...
والبشر يا اخوان قد ترفعونهم فجأة شهرةً وحضوراً... لكنكم قد ترمونهم فجأة الى الحضيض... او على الاقل الى الارتباك القاتل...
نعطيكم دليلاً... ومن دون اسماء...
كم هو عدد المواهب التي نجحت وبرزت وعرفها الجمهور العربي منذ اول نسخة من "ذي فويس" أو "ذي فويس كيدز" الى الآن؟
وكم هو عدد الأصوات التي ارتفعت الحواجب اعجاباً بها ثم... بعد ذلك ضاع اصحابها ولم نعد نلمح لهم وجهاً وصوتاً؟
نعلم جيداً ان شركات الانتاج التلفزيوني ليست جمعيات خيرية، ولا تهتم بالمستقبل ونجومه... لكننا نريدها ان تعلم هي ان تفريخ المواهب بقدر فوق طاقة الجمهور، مسيء لها... وللفن عموماً...
لا نريد ان نطمر مواهب الغناء عندنا لكثرتها...
نريدها ان تأخذ مكانها الصحيح والمتميز...
ونريد ان نكون مواكبين لمراحل نجوميتها... كما كان يحصل في الماضي عندما كان الجمهور يتابع اعمال نجومه عملاً عملاً... واغنية أغنية، وفيلماً سينمائياً فيلماً سينمائياً الى آخره... لا أن يرى الجمهور موهبة ممتازة ثم يفتقدها في اليوم التالي فيجدها... نائمة... في الجوارير!
في علم التجارة... يقال انه اذا اردت ان تضرب بضاعة ضربة قاضية... غَرِّق الاسواق بها... فتفقد بهجتها.. وحضورها.. ووزنها.
لقد غرقتم اسواق الاعلام بالمواهب... ففقدت بهجتها...
دعوا لكل موهبة مكاناً... واحرسوه بالعناية... ذلك افضل بكثير من "رشرشة" المواهب على تراب قاحل!







 
Related links
 
Address
DAR ASSAYAD S.A.L.

SAID FREIHA STREET-HAZMIEH

P.O. BOX: 11 - 1038

BEIRUT-LEBANON

TEL: 961 5 456376/4 - 961 5 457261

FAX: 961 5 452700

E-MAIL:ACHABAKA2008@GMAIL.COM

WEBSITE:WWW.ACHABAKAMAGAZINE.COM